أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

284

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الخامس : أنه مفعول ثان ب « خلق » قالوا : و « خلق » إذا كانت بمعنى جعل التي تتعدى لاثنين تعدّت لاثنين ، وهذا غير معروف عند أهل العربية ، بل المعروف أنّ « جعل » إذا كانت بمعنى « خلق » تعدّت لواحد فقط . وأحسن هذه الأعاريب أن يكون حالا من « هذا » ، وهي حال لا يستغنى عنها ، لأنها لو حذفت لاختلّ الكلام ، وهي كقوله : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ « 1 » . و سُبْحانَكَ تقدم إعرابه « 2 » وهو معترض بين قوله : « رَبَّنا » وبين قوله : « فَقِنا » ، وقال أبو البقاء : « دخلت الفاء لمعنى الجزاء ، والتقدير : إذا نزّهناك أو وحّدناك فقنا » . وهذا لا حاجة إليه ، بل التسبّب فيها ظاهر ، تسبّب عن قولهم : « رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ » طلبهم وقاية النار . وقيل : هي لترتيب السؤال على ما تضمّنه « سبحان » من معنى الفعل أي : سبحانك فقنا ، وأبعد من ذهب إلى أنها للترتيب على ما تضمّنه النداء . قوله تعالى : مَنْ تُدْخِلِ : « مَنْ » شرطية مفعول مقدّم واجب التقديم لأنّ له صدر الكلام ، و « تُدْخِلِ » مجزوم بها . و « فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ » جوابها . وحكى أبو البقاء عن بعضهم قولين غريبين : أحدهما : أن تكون « مَنْ » منصوبة بفعل مقدر يفسّره قوله : « فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ، وهذا غلط ؛ لأنّ من شرط الاشتغال صحة تسلّط ما يفسّر على ما هو منصوب ، والجواب لا يعمل فيما قبل فعل الشرط ؛ لأنه لا يتقدّم على الشرط . الثاني : أن « مَنْ » مبتدأ ، والشرط وجوابه خبر هذا المبتدأ ، وهذان الوجهان غلط . واللّه أعلم . وعلى الأقوال كلّها فهذه الجملة الشرطية في محلّ رفع خبرا ل « إنّ » . ويقال : خزيته وأخزيته ثلاثيا ورباعيا ، والأكثر الرباعي ، وخزي الرجل يخزى خزيا إذا افتضح ، وخزاية إذا استحيا فالفعل واحد ، وإنما يتميز بالمصدر كما تقدم . قوله : وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ « مَنْ » زائدة لوجود الشرطين ، وفي مجرورها وجهان : أحدهما : أنه مبتدأ وخبره في الجارّ قبله ، وتقديمه هنا جائز لا واجب لأنّ النّفي مسوّغ ، وحسّن تقديمه كون مبتدئه فاصلة . والثاني : أنه فاعل بالجارّ قبله لاعتماده على النفي ، وهذا جائز عند الجميع . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 193 إلى 194 ] رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ ( 193 ) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ ( 194 ) قوله تعالى : سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي : « سمع » إن دخلت على ما يصحّ أن يسمع نحو : « سمعت كلامك وقراءتك » تعدّت لواحد ، وإن دخلت على ما لا يصحّ سماعه بأن كان ذاتا فلا يصحّ الاقتصار عليه وحده ، بل لا بدّ من الدلالة على

--> ( 1 ) سورة الأنبياء ، آية ( 16 ) . ( 2 ) انظر آية ( 32 ) من سورة البقرة .